محمود توفيق محمد سعد

321

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

تسليما كثيرا استراح قلبه من مخافة أن يكون منه ما يلحقه من معاتبة في التخلي شيئا ما في المجاهدة في دعوته ، ولأن يعاتب المرء في إبلاغه في الاجتهاد وتحميل النفس فوق ما هي مأمورة به أكرم من أن يعاتب في التقصير ، وما جاء عتاب القرآن الكريم للنبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم في شيء إلا ما كان من باب الإبلاغ في الاجتهاد في الدعوة والإبلاغ رحمة رأفة : [ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ] ( التوبة : 128 ) * * * للتذكير والتأنيث في العربية أصول تقتضي وجوبه أو امتناعه أو جوازه ، والدرس البلاغي لا يعنى بما كان واجبا أو ممتنعا منهما بل يرمي إلى ما كان فيه الاختيار ، ليتأتى للمتذوق استبصار بلاغة الوجه المصطفى ، فعلم البلاغة هو علم فلسفة وتأويل وجوه الاختيار بين البدائل المتاحة في البيان عن المعاني ، لأنّه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا وحتى تجد إلى التخير سبيلا وبعض أهل العم بالبيان يجعل النظر في التذكير والتأنيث من أبواب شجاعة العربية وضربا من ضروب الالتفات على نحو ما هو متعالم لناشئة طلاب العلم عند ابن جنى ومن بعده ابن الأثير في المثل السائر ، فإذا ما كان المتأخرون من بلاغيي مدرسة المفتاح لا يعنون كثيرا بهذا فليس ذلك آية على إغفال البلاغيين للتذكير والتأنيث . والتذكير والتأنيث المتخيّر في البيان القرآني ظاهر لكلّ تال ينادي عليه بتدبّره فإنّ من تحته كنوز لطائف المعاني . ترى ذلك في قول اللّه : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( الزمر : 19 ) جاء الفعل ( حق ) مذكرا على الرغم من إسناده إلى قوله ( كلمة ) وهو مؤنث غير حقيقي يجوز عربية فيه الأمران والغالب في لسان العامة تأنيث الفعل المسند إليه ، فعدل في الآية عن ذلك الكثير الغالب لأمر يتناسب مع السياق والقصد ذلك لأنّه " لما خصّ البشارة بالمحسنين [ من أول قوله : للذين أحسنوا . . . أولئك هم أولو الألباب ( ي : 10 - 18 ) ] علم أنّ غيرهم قد حكم بشقاوته ، وكان صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديرا بالأسف على من أعرض فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً